عبد الشافى محمد عبد اللطيف

330

السيرة النبوية والتاريخ الإسلامي

واحد من أبناء الطرف الغربي وهو العلامة المستشرق الفرنسي جوستاف لوبون الذي يوضح الفرق بين الأندلس - أسبانيا - قبل وبعد الفتح الإسلامي فيقول « 1 » : « كانت أسبانيا النصرانية ذات رخاء قليل وثقافة لا تلائم غير الأجلاف في زمن ملوك القوط ، ولم يكد العرب يتمّون فتح أسبانيا حتى بدؤوا يقومون برسالة الحضارة فيها ، فاستطاعوا في أقل من قرن أن يحيوا ميت الأرضين ، ويعمروا خراب المدن ، ويقيموا أفخم المباني ، ويوطدوا وثيق الصلات التجارية بالأمم الآخرى ، ثم شرعوا يتفرغون لدراسة العلوم والآداب ، ويترجمون كتب اليونان واللاتين وينشؤون الجامعات ، التي ظلت وحدها ملجأ للثقافة في أوربة زمنا طويلا ، وأخذت حضارة العرب تنهض منذ ارتقاء عبد الرحمن الداخل - ( 138 - 172 ه / 756 - 788 م ) - إلى العرش على الخصوص ، أي منذ انفصال أسبانيا . . . في سنة ( 138 - 756 م ) فغدت قرطبة بالحقيقة أرقى مدن العالم القديم مدة ثلاثة قرون . . . وكانت دارا للعلوم والفنون والصناعة والتجارة ، وتستطيع أن تقابلها بعواصم دول أوربة العظمى الحديثة » ا . ه . هناك عشرات الشهادات لباحثين غربيين يعترفون بفضل العرب والإسلام وحضارته لا على أوروبا وحدها ، بل على العالم بأسره ويكفي أن يقرأ الإنسان كتاب جوستاف لوبون « حضارة العرب » أو كتاب آدم متز « الحضارة الإسلامية في القرن الرابع الهجري » ، أو كتاب توماس أرنولد « الدعوة إلى السلام » أو كتاب سيجريد هونكه « شمس العرب تسطع على الغرب » ليعرف الحقيقة الساطعة ، والخلاصة أن الأمويين لم يكونوا فاتحين ورجال إدارة وسياسة بارعين فحسب ، بل كانوا صناع حضارة بكل ما تعني الكلمة ، كما أن عصرهم هو العصر الوحيد في التاريخ الإسلامي كله الذي كانت كلمة الدولة الإسلامية والعالم الإسلامي تؤدي معنى واحدا ، أو بمعنى آخر كان العالم الإسلامي كله من حدود الصين إلى أسبانيا دولة واحدة يرأسها رجل واحد يحكمها من عاصمة واحدة - هي دمشق - جيش واحد وسياسة واحدة . وقانون واحد - مع مراعاة خصوصيات الشعوب المفتوحة مراعاة كاملة - بل على الرغم من قصر مدة حكم الدولة الأموية نسبيّا - أقل من قرن - إلا أن التسامح وحسن السياسة ، والمعاملة الطيبة لأبناء الشعوب المفتوحة ، وإشراكهم في حكم بلادهم ورعاية العهود والمواثيق معهم رعاية كاملة ، والوفاء بها ، كل ذلك

--> ( 1 ) حضارة العرب - ترجمة عادل زعيتر - نشر الهيئة المصرية العامة للكتاب القاهرة سنة ( 2000 م ) ، ( ص 273 - 275 ) .